وَرقة أُولى،



هُنا يسدلِ الخريفُ نفسه على شوارعُ الحرف،


و يُلقي بأوراقه على حواف الطريق. .


هُنا خريفٌ دائم، يسقطُ بقايا حزن وخيبة، و ينفثُ في روحِ أوراقه اليابسة دفء آماله.


فأهلاً بكل من سينتشي من ظلال الخريف لذة حرف.


الأربعاء، أغسطس 24، 2011

على حافة غياب.



و كأنما دهرٌ من الغيابِ انقضى!
و أنا أُشعلُ الحزن شمعاً, في ليالي انتظارك. .
كلُّ الأشياء أعلنت استسلامها, رسائلك الشاحبة, هاتفي الصامت, الكتب المتكدسة برجاء بجوار فراشي, وحتى أحمر شفاهي الذي يتسول منّي شفقةً, حفظتها لقلبي . .
كل شيءٍ بَهُت, و خنعَ لفصولِ الشتاءِ الآتية.
دمعي الذي كبحته طويلا باسم وعودي المبعوثة إليك, فرَّ مني . . و ألبسني بُؤسَ الخيانة!
قلمي الذي صمتَ حداداً منذ رسالتك الأخيرة, ثارَ في وجه حزني, واستباح عُذرية دفاتري بصراخٍ مجنون. .
امتص الشوقُ لون التوت من شفتي, و غلفهما برمادِ احتراقي.
لستُ بخير. . و ربِّ هذا الغياب المُسطر انفضَّ الخيرُ عني. .
ملَّ الصبرُ من تصلبه في أوردتي, و ما عدت أدري أي حجة عليَّ أن أختلق لأتحايل على صبري!
ماذا علمتك بريطانيا الساخطة عن تواريخ الغربة التي تشربتها مدنها, وفاضت بها الأزقة المنزوية؟
هل قالت لك . . أن الغربة خمرٌ أدمنه العرب في حاناتها؟ و أنَّ الغربة تعني أن تسير هائمًا على حُزنِكَ في الطرقات بغير هدى, تلتفت مستعطفا ذاكرتك على أوجه المارة من حولك؟
هل أخبرتك بريطانيا أنَّ الغربة . . قدرٌ مر, ولكنّهُ لا يفوقُ مرارة وطنٍ، لستَ فيه؟

كذَبت بريطانيا, وإن صدقت . . كذبت, وهي تعيد عليك شريطا أبلاه التكرار عند آذان المغتربين فيها. .
تعال, وانظر إلى ارتباك قلبي, و استعمار الخواء أرضي. . لتعرف ماهيّة الغُربة التي تُقترف على يديك!
حيث يتحول البكاء إلى زلزال نفسي, تفزع على إثره كل كائنات الجسد, و تركض في خطوط متعرجة, و تتسابق إلى منفى لا يزلزله شهيق صدري. .

حيثُ تضطرب المشاعر، و تهيجُ الأعصاب . . محدثة دويا هائلا في داخلي, وكأن مباني الروح كلها تسقط, وأوردة القلب تتمزق, وجدران الخلايا تتصدع لافظة أنفاسها الأخيرة بنحيبي!
هنا, حيث تكاثرت الأغصان اليابسة, واسود وجه الصباح, وأحيلت الحدائق إلى أراضٍ قافرة. .
هنا, حيث مات الربيع, و صلب الخريف . . و بعثت فصول جديدة توازي غيابك فداحةً, فصول لا تعرف غير الفراغ و ندف الجليد. .
هنا, في صدري . . اعتكفت الغربة الحقّة, في خشوع عظيم!
انظر إلي . . هل من دمع أخير؟
مد ذراعك واخترق حواجز الغياب, ارفع صوتك بصدى يفوق استيعاب البعد الحائل بيننا. .
اجعلني تعويذة ضد شياطين الوحدة المستعرة, أو تذكارًا من رحم وطن غادرته, اكتبني على أوراق قلبك. . تنفسني حين تختنق برائحة أرض لا يشبه عطرها عطر الوطن على كتفي. .
ادع الله أن أكون سماء تظلك, أو أرضا لا تلفظك. . ادع الله أن أكون لك توبة. . أو أن أكون لك سكينة لا تنقطع.
عد لزمن جميل جمعنا, واتركني أتشكل"ياءً أخيرة", تتدلى من شفتيك, دون أن تسقط, كلما ناديتني: "صغيرتي" . .
اخلق على صدري تذكرةً ترشدني إليك, كُن سندي حتى لا أتعرقل بمطبات العاطفة على رصيف انتظار لا ينتهي إليك. .
افعل أي شيء . . كن أي شيء
فقط لا تتركني أواجه الغياب بقلب واهن. .
لا تتركني أرتجف كعمر يحتضر على حافة غيابك!

الأحد، أغسطس 14، 2011

وعدٌ، يغالبُ الأقدار.



-بعض الأبواب القدرية تغلق, ولكن قلبا فتح بابه على مصراعيه, و أضاع مفتاحه الأوحد في لجة الحب, . . لن يغلق

.
.

يا وَطَنْ . . في بُعدَك جفّ المَطر!


.
.

وجدت نفسها في شارعٍ خالٍ إلا من المتاجر المُتراصة امتداداً على جانبيه، كان الجّو رماديا، وبدت السماء على وشك البكاء. لم يكن هناك أحد، و أحست كما لو أنّ الأشياء ترمقها باستياء، جرّبت أن تمشي، علّها تجد عابراً ما يرشدها إلى حقيقة ما يجري. مشت، و كان صوتُ خطواتها يقلّدهُ الصدى، خيّل لها أن الطريق يهمس لها"اششش!"، فخجلت . . وتوقفت عن المسير، وجدت مقعداً بالٍ على يسار الشارع، و كأنه عجوزٌ أبلته تجاعيد القدر، لهثت إليه، و كأنه سينفضُ عنها غربة قلبها، إن جلست عليه.
فجأة شرعّت السماء عن دمعها، و أخذت تُمطر. كانت خائفة، و فستانها الأبيضُ يلتصقُ بجسدها مستنجداً بها من هطول المطر، لم تحمل معها معطفاً، ولا مظلة، ولا حقيبة . . ولا حتى ذاكرة تسر لها بحكاية الشارع و الأشياء. التفتت خلفها، كانت واجهة زجاجيّة تتباهى من خلفها الألوان، والأشكال . . وكأن قطع الحلوى وحدها شربت الحياة من كل الشارع. كانت توّد اللجوء إلى هذا المتجر الحيّ وإن بدا كطفلٍ صغير، كانت تريد أي سقف تحتمي بظلّه، ولكن لافتة"مغلق" صفعت حاجتها البالغة بقسوة.
ضمّت كفيّها إلى صدرها، لتحتمي برجلٍ سكنها و مازال، أخذت تدعو، و تهمس باسمه. . وبنعومة همسها، كانت السماء تهدأ، و المطر يخّف، وبدا دعائها وكأنه كفّ صعدت تربت على كتفِ السماء، لتكف عن النواح.
صار صوتُ المطر أشبه بدقّات عقارب الساعة "تك . . تك. . تك!"، أحست بأن القطرات التي لم تهرب إلى رحم الأرض بعد، ستفيضُ بوحشة قلبها الآن في مجرى سيلٍ لا يقف، . . وحين شارفت دمعتها على السقوط، استيقظت!
"كان كابوساً إذن!" هكذا خاطبت نفسها بعد أن استيقظت، صمتت قليلاً . . وأردفت:" . . بل ربّما حُلم".
استرجعت حديثاً دار في قلبها، قبل أن تصرفهُ غفوة الحُلُم. كانت تخاطبُ غائباً، تبوحُ لهُ شوقها، وما اقترفته أيادي الحنين.
كتبت إليه: "لا تسألني يا أيّها الغائب عن حالي، و أنا المعلّقة على هامش الأيام منُذ رحلت . . لا تسألني عن حالي، لا أدري بأي حالٍ أفضي إليك . . الغياب شتاء، و البرد قارس، و الشوق الكبير احتبس في قلبي و أعياه، وما من مطر!"
نهضت إلى وجه النافذة، فتحتها . . و تنهدت في جوفِ المساء.
و بعد برهة، ما زال صدى رسالتها فيها يتردد، رنّ الهاتف، ونادى بوصول رسالة ما.
هرعت إلى هاتفها، كانت تعلم أنّ روحه تطوفُ بها، و إن أبعده الغياب . . كانت تؤمن بأنهُ يسمعها، و أنهُ أقربُ إليه من حاجز صوت.  فتحت الرسالة، كانت من رجلها الغائب، كتب فيها: "يا مطر . . الوطن"، ابتسمت . . و كتبت إليه: " يا وطن . . في بعدك جفّ المطر!" .

.
.







وصل.




-الدُعاءُ وصلٌ . . في حِينِ الغيابْ!

.
.

حقيقة.






مَنفيٌّ قَلبِي . . إلى صدرِ مُسافِر.

.
.

حديثٌ مبتور.






(*) 

أجهل ذنبي, و حقيقة خدش قلبك. 



(*) 

الليالي الدافئة أعلنت علي الجفاء. 



(*) 

وعود الحب, لا ينبغي لها أن تموت. 



(*) 

سترفع أشرعة العتب, فشراع الحب يسدل نفسه دائما, فلا يمتد إلى بصيرتي . . غير حبك. 



(*) 

الثالثُ والعشرون يشي بفصلٍ عاش لشهرين، ولم يكتمل. 

فإلى أي الفصول ستأخذنا الأقدار القادمة؟ 



(*) 

أصبحتُ مختلفة . . منذُ احتضنتُكَ في جوف قلبي. 



(*) 

أُودعك روحي . . الهاربة مني إليك.

رسالة إلى رجلٍ مُسافر.

غيابك يا صديقي, يستبيح حزني،
و يعلقني على أجفان الرجاء . .
أشتاق إليك يا صديقي, فهل تسمعني؟
أشتاق إليك, ويعلم الله كم يؤذيني شوقي, فيسخر خلقه حولي, ليواسونني في غيابك, ولا يكفي . .
حسك الذي نام في أوردتي, و صوتك الحاني الذي تبنته أحلامي, و قربك الذي من دفئه كنت أستمد قوت يومي . . ينكزون بي وجعي, يعظمون حاجة قلبي, ويسدلون على نوافذي ستائر الوحدة.
أطلت الغياب يا صديقي. .

فمد إلي بذراعك, و عانق بكفيك كفي, أيقظ الدفء في عروقي, و ربت على حسي بحنان الدنيا الذي تختصره في راحتيك.
اهمس في يومي, و أيقظ صباحاتٍ اعتادت مشاطرتها بيني وبينك من سبات الانتظار.
أعطني كفك, و دعني أمتص منك حزنا عشش في فؤادك، و أكن لكَ دثاراً تحتمي به من غُربتك.

.
.