و كأنما دهرٌ من الغيابِ انقضى!
و أنا أُشعلُ الحزن شمعاً, في ليالي انتظارك. .
كلُّ الأشياء أعلنت استسلامها, رسائلك الشاحبة, هاتفي الصامت, الكتب المتكدسة برجاء بجوار فراشي, وحتى أحمر شفاهي الذي يتسول منّي شفقةً, حفظتها لقلبي . .
كل شيءٍ بَهُت, و خنعَ لفصولِ الشتاءِ الآتية.
دمعي الذي كبحته طويلا باسم وعودي المبعوثة إليك, فرَّ مني . . و ألبسني بُؤسَ الخيانة!
قلمي الذي صمتَ حداداً منذ رسالتك الأخيرة, ثارَ في وجه حزني, واستباح عُذرية دفاتري بصراخٍ مجنون. .
امتص الشوقُ لون التوت من شفتي, و غلفهما برمادِ احتراقي.
لستُ بخير. . و ربِّ هذا الغياب المُسطر انفضَّ الخيرُ عني. .
ملَّ الصبرُ من تصلبه في أوردتي, و ما عدت أدري أي حجة عليَّ أن أختلق لأتحايل على صبري!
ماذا علمتك بريطانيا الساخطة عن تواريخ الغربة التي تشربتها مدنها, وفاضت بها الأزقة المنزوية؟
هل قالت لك . . أن الغربة خمرٌ أدمنه العرب في حاناتها؟ و أنَّ الغربة تعني أن تسير هائمًا على حُزنِكَ في الطرقات بغير هدى, تلتفت مستعطفا ذاكرتك على أوجه المارة من حولك؟
هل أخبرتك بريطانيا أنَّ الغربة . . قدرٌ مر, ولكنّهُ لا يفوقُ مرارة وطنٍ، لستَ فيه؟
كذَبت بريطانيا, وإن صدقت . . كذبت, وهي تعيد عليك شريطا أبلاه التكرار عند آذان المغتربين فيها. .
تعال, وانظر إلى ارتباك قلبي, و استعمار الخواء أرضي. . لتعرف ماهيّة الغُربة التي تُقترف على يديك!
حيث يتحول البكاء إلى زلزال نفسي, تفزع على إثره كل كائنات الجسد, و تركض في خطوط متعرجة, و تتسابق إلى منفى لا يزلزله شهيق صدري. .
حيثُ تضطرب المشاعر، و تهيجُ الأعصاب . . محدثة دويا هائلا في داخلي, وكأن مباني الروح كلها تسقط, وأوردة القلب تتمزق, وجدران الخلايا تتصدع لافظة أنفاسها الأخيرة بنحيبي!
هنا, حيث تكاثرت الأغصان اليابسة, واسود وجه الصباح, وأحيلت الحدائق إلى أراضٍ قافرة. .
هنا, حيث مات الربيع, و صلب الخريف . . و بعثت فصول جديدة توازي غيابك فداحةً, فصول لا تعرف غير الفراغ و ندف الجليد. .
هنا, في صدري . . اعتكفت الغربة الحقّة, في خشوع عظيم!
انظر إلي . . هل من دمع أخير؟
مد ذراعك واخترق حواجز الغياب, ارفع صوتك بصدى يفوق استيعاب البعد الحائل بيننا. .
اجعلني تعويذة ضد شياطين الوحدة المستعرة, أو تذكارًا من رحم وطن غادرته, اكتبني على أوراق قلبك. . تنفسني حين تختنق برائحة أرض لا يشبه عطرها عطر الوطن على كتفي. .
ادع الله أن أكون سماء تظلك, أو أرضا لا تلفظك. . ادع الله أن أكون لك توبة. . أو أن أكون لك سكينة لا تنقطع.
عد لزمن جميل جمعنا, واتركني أتشكل"ياءً أخيرة", تتدلى من شفتيك, دون أن تسقط, كلما ناديتني: "صغيرتي" . .
اخلق على صدري تذكرةً ترشدني إليك, كُن سندي حتى لا أتعرقل بمطبات العاطفة على رصيف انتظار لا ينتهي إليك. .
افعل أي شيء . . كن أي شيء
فقط لا تتركني أواجه الغياب بقلب واهن. .
لا تتركني أرتجف كعمر يحتضر على حافة غيابك!
